الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

138

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وجهها ، لأنهّ إذا قال : « أبي وأبيكم » فقد أراد غير ما ذهبتم إليه ، وما يدريكم لعلهّ عني « أذهب إلى آدم ونوح » ، وأنّ اللّه يرفعني إليهم ويجمعني معهم ، وآدم أبي وأبوكم وكذلك نوح ، بل ما أراد غير هذا . فسكت النصارى ، وقالوا : ما رأينا كاليوم مجادلا وسننظر . ثمّ أقبل النبيّ صلى اللّه عليه وآله على الدهرية ، وقال : وأنتم فما الّذي دعاكم إلى القول بأنّ الأشياء لابدء لها ، وهي دائمة لم تزل ولن تزال فقالوا : لأنّا لا نحكم إلّا بما نشاهد ، ولم نجد لأشياء حدثا فحكمنا بأنّها لم تزل ، ولم نجد لها انقضاء فحكمنا بأنّها لن تزال . فقال : أوجدتم لها قدما ، أم وجدتم لها بقاء أبد الآباد فإن قلتم : إنّكم وجدتم ذلك أثبتم لأنفسكم أنّكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية ولا تزالون كذلك ، ولئن قلتم ذلك دفعتم العيان . قالوا : بل لم نشاهد لها قدما ولا بقاء أبد . قال : فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم والبقاء دائما لأنّكم لم تشاهدوا حدوثها وانقضاءها أولى ممّن يحكم لها بالحدوث والانقضاء ، لأنهّ لم يشاهد لها قدما ولا بقاء أبد ، أو لستم تشاهدون الليل والنهار وأحدهما بعد الآخر قالوا : نعم . قال : أترونهما لم يزالا ولن يزالا قالوا : نعم . قال : فيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار قالوا : لا . قال : فاذن ينقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما ، ويكون الثاني جاريا بعده . قالوا : هو كذلك . قال : قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليل ونهار ، ولم تشاهدوهما . ثم قال : أتقولون لما قبلكم من الليل والنهار متناه أم غير متناه فإن قلتم : غير متناه ، فقد وصل إليكم آخر لا نهاية لأولّه ، وإن قلتم : إنهّ ممتناه ، فقد كان ولا شيء منهما . قالوا : نعم . قال : أقلتم : إنّ العالم قديم غير محدث وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم ، وبمعنى ما جحدتموه قالوا : نعم . قال : فهذا الّذي تشاهدونه من الأشياء بعضه إلى بعض يفتقر ، لأنهّ لا قوام للبعض إلّا بما يتّصل به ، كما ترى البناء محتاجا بعض